أعمق

1985-1965

النهج الأكثر خضرة واستهدافا يتجذر مع تعثر النمو في فترة ما بعد الحرب

FAO

كانت التوترات الاجتماعية والاقتصادية في حالة غليان بحلول النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، حتى في ظل استمرار تأثير الانتعاش في حقبة ما بعد الحرب على الإنتاج الصناعي والزراعي. وأشار تقرير المنظمة عن حالة الأغذية والزراعة لعام 1970 إلى تسجيل زيادة بنسبة 70 في المائة في إجمالي إنتاج الأغذية منذ عام 1948، وهي زيادة كبيرة تصل إلى 2.7 في المائة سنويًا. وكانت الوتيرة أسرع في قطاع مصايد الأسماك، إذ بلغت الزيادة نسبة مذهلة قدرها 4.4 في المائة. وقد واكبت كمية الأغذية المنتَجة عمومًا النمو السكاني.

تقرير حالة الأغذية والزراعة لعام 1970 [مقتطف]

تقدم فصول المراجعة الحالية من هذا التقرير المزيد من الأدلّة على أنه قد تم التوصل أخيرًا إلى نقطة تحول في نضال البلدان النامية الصعب لتحقيق زيادة سريعة بما فيه الكفاية في إنتاجها للأغذية [...] وتمثّلت إحدى النتائج الرئيسية لإدخال أصناف الحبوب العالية الغلّات في العودة إلى زيادة في مستويات الاكتفاء الذاتي في الغذاء في عدد من البلدان النامية. ولدى البعض منها فائض بالفعل أو سيكون لديها فائض في المستقبل القريب.

بيد أن هذا الوضع الذي يوحي ظاهريًا بالإيجابية كان مقترنًا بمحاذير رئيسية. فقد استمر الجوع مثلًا في إحداث خسائر فادحة. ففي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، كان متوسط الزيادة السنوية في إنتاج الأغذية ضئيلًا للغاية حيث بلغ نسبة 0.6 في المائة. ولم تكن المكاسب المحققة، إن كان يمكن أصلًا اعتبارها مكاسب، قادرة على الاستدامة.

وفي عام 1972، بدأت الأرقام الرسمية تكشف عن غيوم تتلبَّد في الأفق منذ فترة طويلة: فقد انخفض إنتاج الحبوب لأول مرة منذ انتهاء الحرب. ولم يعُد يسجل تحقيق أي فائض. وبالتزامن مع ذلك تقريبًا، عصفت أزمة النفط بالاقتصادات الغربية، مما أدى إلى نهاية مفاجئة لعصر التوسع في زمن السلم.

وكانت هناك علامات تحذيرية: فقبل أربع إلى خمس سنوات، قاد الطلاب ثورات هزّت المجتمعات الصناعية فكانت بمثابة أول تشكيك جماعي في نماذج التنمية القائمة على النمو البحت. وبدأ التفاؤل يتلاشى. وفي بعض بلدان العالم النامي، لم تكن سنوات ما بعد الحرب وما بعد الاستعمار قد حققت بعدُ تحسنًا جذريًا في سُبل العيش؛ وكان التمكين الاقتصادي متخلفًا عن التمكين السياسي. وعلى مرّ السبعينيات من القرن الماضي، ظهرت خيبة أمل على الصعيد السياسي: ففي مؤتمر عالمي بشأن الإصلاح الزراعي عُقد في منظمة الأغذية والزراعة، ألقى فخامة السيد Julius Nyerere، رئيس تنزانيا، مداخلة أشار فيها إلى استمرار معاناة الناس من "بؤس وفقر غير معقولَين".

ومع انهيار التوقعات بشأن التقدم المستمر، أصبحت نماذج الإنتاج والاستهلاك الراسخة موضع تساؤل وتشكيك. فقد بدأ الوعي البيئي يتنامى في الغرب، الذي كان يعاني من ضائقة اقتصادية وإن كان غنيًا. وذاع صوت الحساسيات المراعية للبيئة، في المجتمع والثقافة أولًا، ومن ثمّ في السياسة. ومنذ عام 1962، فصّل كتاب Rachel Carson بعنوان الربيع الصامت (Silent Spring) الأضرار التي لحقت بالبيئة وبصحة الإنسان بسبب تفشي استخدام مبديات الآفات. ويُعدّ هذا الكتاب صرخة حاشدة للحركة البيئية الناشئة وقد وضع الأساس للحظر الأمريكي على ثنائي كلورو ثنائي الفينيل الثلاثي كلورو الإيثان (DDT) في عام 1972؛ وهو سيستمر في التأثير على الرأي العام وعلى السياسات العامة في الولايات المتحدة لسنوات قادمة.

Rachel Carson، الربيع الصامت (Silent Spring) [مقتطف]

ما كان لأي شخص مسؤول أن يدّعي أنه ينبغي تجاهل الأمراض التي تنقلها الحشرات. ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه الآن وبشكل عاجل هو ما إذا كان من الحكمة أو المسؤولية مواجهة المشكلة بأساليب تؤدي إلى تفاقمها بسرعة. لقد سمع العالم الكثير عن الحرب الظافرة ضد الأمراض من خلال مكافحة النواقل الحشرية للعدوى، ولكنه لم يسمع سوى القليل عن الجانب الآخر من القصة، أي الهزائم والانتصارات القصيرة الأجل التي تدعم الآن بقوة وجهة النظر المقلقة ومفادها أن الحشرات العدوة أصبحت أقوى في الواقع بسبب جهودنا. والأدهى أننا ربما دمرنا بأيدينا الوسائل المتاحة لدينا لمكافحة هذه الحشرات.

info
close
جمع الحطب في إسواتيني (سوازيلاند آنذاك)
©FAO/Florita Botts

وقالت السيدة Indira Gandhi، رئيسة وزراء الهند، في مؤتمر عُقد في ستوكهولم في عام 1972، "نحن لا نرغب في التمادي في إفقار البيئة"، موضحة ما كان يتشكل آنذاك من الناحية الأيديولوجية على أنه معضلة ومقايضة من الناحية السياسية. ومضت تقول: "ومع ذلك، لا يمكننا أن ننسى للحظة الفقر المرير الذي تعاني منه أعداد كبيرة من الناس. أليس الفقر والعوز أكبر الملوثات؟"

وعلى مدى العقود التالية، حوّلت الاهتمامات بشأن الحفظ فهم البشرية لعلاقتها مع الطبيعة. وبين السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، ازداد إدراك واضعي السياسات والمجتمعات بالطابع المحدود لموارد كوكب الأرض. فبدأ البحث عن طرق أقل استغلالاً لتحقيق الأهداف المنشودة اجتماعيًا، ومنها القضاء على الجوع.

واستأثرت المحيطات والبحار بقدر كبير من الاهتمام: فهي مصدر الغذاء الحيوي لمئات الملايين من الناس. وتوفر سُبل عيش للكثيرين الآخرين. وهي تدعم أيضًا صناعات الصيد الواسعة النطاق والاقتصادات الساحلية والجزرية بأكملها. وفي حوالي منتصف السبعينيات من القرن الماضي، بدأ إنتاج الأسماك بالاستقرار مع اندلاع الخلافات حول مناطق الصيد الخالصة وتزايد القلق بشأن الأرصدة. وتحدث ملك إسبانيا Juan Carlos، في كلمة ألقاها خلال حدث أقامته منظمة الأغذية والزراعة بشأن هذا الموضوع في عام 1984، عن ضرورة ضمان "عدم استنفاد ثروات البحر في مساعٍ جشعة وقصيرة النظر وأنانية". واتُفق في العام نفس على أهداف طويلة الأجل في ما يخص مصايد الأسماك.

أربعة فتيان من الهند يجدفون، بينما يشاهدهما اثنان آخران من الشاطئ
info
close
القوارب الشراعية في ولاية تاميل نادو الهندية تتهيأ للانتفاع ببرنامج الميكنة الذي يحظى برعاية منظمة الأغذية والزراعة
©FAO/ D. Mason
ثلاثة رجال يقودون قارب صيد بينما يحاول البجع التقاط الأسماك من شباكهم
info
close
الصيد تحت أنظار البجع المتلهفة قبالة سواحل فالبارايسو، شيلي
©S. Larrain

ومع ذلك، كانت هذه المرحلة الثانية من وجود المنظمة، في معظم النواحي، حقبة تتسم بتغير سريع في المفاهيم والتصورات، ولكن بتغير أبطأ في الممارسات. فما زالت النُهج السائدة للتنمية الزراعية تسترشد بالسعي إلى زيادة الأحجام والغلات في المقام الأول. ومع ذلك، لم يعد السباق لإنهاء الجوع يسير في فراغ من حيث السياق الذي يندرج فيه، بل أصبح يتضمن أبعادًا بيئية واجتماعية دقيقة.

وتؤكد ظواهر التصحر والجفاف والأزمات الغذائية وحالات المجاعة الطبيعة الدورية والمنتظمة للجوع. وفي إطار المساعي الرامية إلى كسر هذه الحلقة، بات يُنظر إلى عدم المساواة على أنها فضيحة أخلاقية وعائق سياسي. وبدأ تأمين الحصول على الغذاء، وليس مجرد توافره من الناحية النظرية، في توجيه خطاب منظمة الأغذية والزراعة والمنظمات الشقيقة.

info
close
بانتظار وصول المحاريث والحيوانات المستخدمة في الجر إلى بوركينا فاسو (فولتا العليا آنذاك)
©FAO/Florita Botts

ولكن بات يُعتقد آنذاك أنه يجب تلبية مجموعة من الاحتياجات الإنسانية والاجتماعية الأخرى من أجل تحسين فرص الحصول على الغذاء، وتضم هذه الاحتياجات مثلًا التعليم والصحة والبيئة النظيفة والآمنة، ومن باب أولى السلام. ولم تقتصر هذه الأمور على كونها مجرد احتياجات، فقد بدأ التعبير بشدة عن أنها تندرج في عِداد الحقوق. ودخل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيز التنفيذ في عام 1976، وهو ينص على الحق في الغذاء - وهو حق أُدرج منذ ذلك الوقت في دستور الهند وفي دساتير العديد من البلدان الأخرى. (وفي السنوات الأخيرة، أدرجت دول مختلفة الحق في الغذاء في دساتيرها أو جعلته حقًا "يمكن التقاضي بشأنه"، أي واجب التنفيذ أمام المحاكم).

فتاتان من مدرسة ابتدائية في موريشيوس تواجهان الكاميرا وتشرب إحداهما من كوب من صفيح
info
close
وقت تناول الحليب ووجبة خفيفة في مدرسة ابتدائية في موريشيوس
©FAO/Patrick Morin
امرأة من الشعوب الأصلية في إكوادور تجلس على جذع شجرة وتطعم ابنتها الصغيرة من طبق
info
close
مع توسع نطاق بيع الأطعمة في الشوارع في إكوادور في الثمانينيات من القرن الماضي، كثّفت منظمة الأغذية والزراعة التدريب في مجال مراقبة الجودة
©FAO/Giuseppe Bizzarri

وانتقلت منظمة الأغذية والزراعة جزئيًا، خلال هذه السنوات، من كونها هيئة للتعاون الفني إلى وكالة دولية للتنمية. ويُعزى هذا التطور إلى إدراك أن التفسيرات الكمية الضيقة الأفق لولاية المنظمة لم تعد كافية. فقد تلاشى منطق " أكثر" ليحلّ محله منطق "أعمق". فعلى سبيل المثال، فقد الدعم الفني لمشاريع الري المركزية أفضليته لصالح البرامج التي تركز على المجتمعات المحلية والتي تكون أوثق صلة بالواقع المحلي، ويُنظر إلى هذه البرامج على أنها أقل كلفة، وأسرع تنفيذًا، وأكثر فائدة في الأجل القصير، وأكثر قدرةً على بناء القدرة على الصمود.

وحظي المفهوم الجديد المتمثل في الأمن الغذائي، الذي يمزج بين مبدأ توافر الغذاء ومبدأ الحصول عليه، باعتراف رسمي في منتصف سبعينيات القرن الماضي من خلال إنشاء لجنة الأمن الغذائي العالمي. وصُممت لجنة الأمن الغذائي العالمي، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة تستضيف منظمة الأغذية والزراعة أمانتها، تصميمًا يراعي العِبر المستخلصة من أزمة النفط: فقد تمثَّل الغرض منها في تفادي ما حدث مؤخرًا آنذاك من نقص في الغذاء وتقلب في الأسعار. واكتسبت اللجنة أهمية أكبر خلال ثمانينيات القرن الماضي، ثم خضعت لعملية إصلاح في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لتشمل الحركات المدنية والجهات الفاعلة في القطاع الخاص، فضلًا عن المسؤولين الحكوميين والخبراء. وتُعدّ هذه اللجنة، حتى يومنا هذا، أكثر المحافل شمولًا لمناقشة الحلول الرامية إلى القضاء على الجوع في العالم وسُبل تحسين التغذية. (وقامت منظمة الأغذية والزراعة منذ ذلك الحين بوضع استراتيجيات للتعاون مع المجتمع المدني والقطاع الخاص سعيًا منها إلى مراعاة هذه التحولات التدريجية في نهج التنمية الدولية).

وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ساهمت وسائل التواصل الجماهيري في ظهور خطاب عام وليس دبلوماسيًا وتكنوقراطيًا بشأن الغذاء باعتباره شاغلًا عالميًا. واحتُفل بيوم الأغذية العالمي في 16 أكتوبر/تشرين الأول، وهو تاريخ تأسيس منظمة الأغذية والزراعة، لأول مرة في عام 1981، وأصبح منذ ذلك الحين حدثًا أساسيًا في التقويم العالمي ويتم الترويج له على نطاق أوسع في مختلف مدن العالم.

عد إلى الأعلى

عد إلى الأعلى