أوسع

2005-1985

إن الانفراج العالمي يخلق إرادة سياسية لتحقيق تقدم أكثر شمولاً

FAO

تجدد الشعور بالتفاؤل بإمكانية تحقيق الأهداف المحددة اعتبارًا من عام 1985. وتلاشت العداوة بين الكتل السياسية المتناحرة. وأحدثت الأنباء التي تفيد بوقوع مجاعة في إثيوبيا موجة من التضامن الدولي والعمل الجماعي. وأتاح حفلا Live Aid الموسيقيين في لندن فيلادلفيا إدخال مكافحة الجوع في الثقافة الشعبية. وبغض النظر عن التصورات اللاحقة التي رأت أن هذه الفعالية تتسم بنزعة غربية وعقلية "خيرية"، ساهم الحفلان في بلورة مفهوم تولّي القاعدة الشعبية زمام التصدي للتحديات العالمية. واكتسب مفهوم المجتمع المدني شعبية بعدما ظل لفترة طويلة محتجزًا في الزوايا المعتمة للنظريات السياسية. وشعر المواطنون منذ ذلك الحين بأنهم قادرون على التأثير في النتائج المحرزة على الصعيد العالمي. وتحولت المنظمات غير الحكومية إلى جهات فاعلة دولية.

رجل في حقل أفريقي يحمل سنابل قمح طويلة
info
close
استهلت منظمة الأغذية والزراعة، في عام 1985، برنامج إحياء القطاع الزراعي في أفريقيا الذي شمل 25 بلدًا.
©FAO/Jeanette Van Acker
النص البديل: رجل يرتدي ملابس مدنية يساعد اثنين من الرعاة في أفريقيا الوسطى على تعيين حدود مناطق الرعي على خريطة مفروشة على غطاء محرك سيارة
info
close
تعليم الرعاة كيفية إدارة مناطق الرعي في جمهورية أفريقيا الوسطى
©FAO/Roberto Faidutti

وتجلى أوج هذا التحول التاريخي في سقوط الستار الحديدي في عام 1989. وبحلول أوائل التسعينيات من القرن الماضي، انضمت الدول التي انبثقت أو وُلدت مجددًا من رحم الاتحاد السوفياتي إلى المنظمات الدولية، ومنها منظمة الأغذية والزراعة، كأعضاء يتمتعون بالسيادة.

وأبصرت السوق الأوروبية المشتركة النور، ثم تلتها منظمة التجارة العالمية. واجتاحت العالم موجة من التحرير. فأزيل العديد من الحواجز التجارية، ولكن التبادلات التي طغت عليها العولمة بصورة متزايدة اقترنت بتنامي المخاوف العالمية بشأن سلامة الأغذية. وارتبط تفشي الالتهاب الدماغي الإسفنجي في البقر (أو مرض "جنون البقر") في قطعان الأبقار البريطانية بتفشي مرض Creutzfeldt-Jakob لدى مستهلكي لحوم البقر، وهو حالة عصبية تنكسية. وقد سلّطت هذه الحالة الضوء بطريقة مقلقة على الترابط بين صحة الإنسان وصحة الحيوان. ويتناول الدستور الغذائي، بالاعتماد على خبرة منظمة الأغذية والزراعة في مجال مكافحة الأمراض التي تصيب الماشية، مسألة علف الحيوانات الحساسة التي تزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تأمين غذاء آمن وكافٍ ومغذٍ للجميع.

ولا شك أن المنظمة قد أصبحت في منتصف التسعينيات من القرن الماضي منظمة أكثر تطورًا من حيث اتساع نطاق معارفها وقدراتها الإحصائية. فقد أُنشئت المنظمة في الأساس لتكون وكالة رسمية يقتصر عملها على إصدار المعايير وانفردت لفترة طويلة بمكانة لا تُضاهى كجهة قائمة على توفير الخبرات في مجال الزراعة، ولكن بات لا بدّ آنذاك من أن تتكيّف مع عصر تحرير الأسواق من الضوابط. وانتقلت سلطة اتخاذ المبادرات ووضع المعايير في مجال الزراعة إلى القطاع الخاص بصورة كبيرة. وأصبحت الحكومات نفسها، ولا سيّما في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية، تستعين بشكل متزايد بالمجامع الفكرية والمؤسسات المستقلة للحصول على المشورة في مجال السياسات؛ ومع تتابع الأزمات، أصبحت القدرة على التعبئة العامة والسياسية بسرعة تندرج في نطاق اختصاص المنظمات غير الحكومية العالمية أكثر مما كانت عليه في أي وقت مضى.

ومع ذلك، واصلت الأمم المتحدة رسم ملامح النقاش العالمي بشأن التنمية. وظهر نموذج فكري جديد تتلاقى فيه عدة تيارات فكرية بشأن البيئة وحقوق الإنسان والصحة العالمية. وساهمت منظمة الأغذية والزراعة وشركاء آخرون في هذا النموذج بعنصر مُحكَم يتعلق بالأمن الغذائي. ولكن لا تزال التنمية على أرض الواقع تشكّل مسألة مثيرة للجدل، بل إن معنى التنمية بحد ذاته أصبح، في بعض النواحي، موضع تساؤل.

info
close
مزارعون في موقع مشروع لإدارة مستجمعات المياه في ميانمار (بورما آنذاك)
©FAO/Giuseppe Bizzarri

وبحلول التسعينيات من القرن الماضي، كان نموذج الزراعة الصناعية في معظم أمريكا الشمالية وأوروبا قد أتاح إنتاج كميات من الأغذية لم يكن من الممكن تصورها عندما تأسست منظمة الأغذية والزراعة. وإنّ تدعيم المشاريع التجارية الزراعية والكميات الهائلة من الفوائض، وتغذية الحيوانات وتربيتها من أجل زيادة المحاصيل إلى ما لا نهاية، وانتشار الزراعة الأحادية المحصول، وتفشي الأغذية الفائقة التجهيز، كلها أمور تشهد على أنماط الإنتاج وسلاسل التوريد التي ملأت عربات التسوق في المتاجر الكبرى ولكنها لم تكترث كثيرًا للحفاظ على الموارد أو للشواغل البيئية أو للتوازن التغذوي. وأخذت التربة في التآكل في معظم بلدان العالم النامي. واتسعت الصحاري وانحسرت الغابات. وتقلصت الموائل البرية. وظلت الزراعة تعاني من نقص الموارد النقدية، فيما تعذّرت تلبية الاحتياجات الأساسية. وأودى الجوع وسوء التغذية بحياة مئات الملايين من الأشخاص.

وفي عام 1996، قال قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني أمام مؤتمر القمة العالمي للأغذية الذي عقدته منظمة الأغذية والزراعة، إن التباين المستمر بين العوز والبذخ "أمر لا تطيقه البشرية". واستهلت المنظمة، بعد ذلك بعام، حملة تليفود (TeleFood) لجمع التبرعات من أجل تمويل مشاريع زراعية في أكثر من 100 بلد. (وبعد مرور عشر سنوات، أظهرت تقييم أُجري في عام 2007 أن هذا البرنامج أتاح توفير أكثر من 14 مليون دولار أمريكي للمزارعين، وإن لم يكن ذلك قد عاد بالفائدة دائمًا على البلدان أو المزارعين الأشدّ فقرًا في المجتمعات المحلية المعنية؛ وأوصى التقييم بإدماج برنامج TeleFood في جهود الدعوة والمناصرة الأوسع نطاقًا، مع الأخذ بنهج نظمي أكثر للتصدي للأسباب الكامنة وراء الجوع. ويمكن القول، في هذ الصدد، إن هذا التقييم يكرر بعض الانتقادات الموجهة لحملة Live Aid: أي أن البرنامج جدير بالتقدير، بيد أنه يُعنى بأعراض المرض لا بعلاجه).

إعلان روما بشأن الأمن الغذائي العالمي – 1996 [مقتطف]

إننا نؤكد من جديد أن البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المواتية التي يسودها السلام والاستقرار هي الركيزة الأساسية التي تمكّن الدول من إسناد أولوية كافية للأمن الغذائي ولاستئصال الفقر. كما أن الديمقراطية، وتعزيز وحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، بما فيها الحق في التنمية، والمشاركة الكاملة والمتكافئة للرجال والنساء هي عوامل جوهرية لتحقيق الأمن الغذائي المستدام للجميع.

وفي الفترة الممتدة من منتصف التسعينيات إلى أواخر التسعينيات من القرن الماضي، ومع تزايد ارتباط السعي إلى تحقيق الأمن الغذائي بحماية البيئة وصحة الإنسان، عملت المنظمة على تعزيز جهودها في مجال مكافحة مبيدات الآفات الخطيرة. وظهرت في الوقت ذاته توترات محتملة بين عالم الزراعة وعالم قانون الملكية الفكرية. وفي عام 2001، تمخضت عدة سنوات من المفاوضات التي أُجريت ضمن هيئة الموارد الوراثية للأغذية والزراعة، وهي هيئة أنشأتها المنظمة قبل زهاء عقدَين من الزمن آنذاك لحماية التنوع البيولوجي وتعزيزه، عن المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة. فبات هنالك، لأول مرة، أساس للتقاسم المنصف للمواد الوراثية بين القائمين على تربية النباتات والمزارعين والمؤسسات البحثية العامة والخاصة. وتوسعت ولاية الهيئة بمرور الوقت، فلم تعُد تقتصر على النباتات بل أصبحت تشمل موارد طبيعية أوسع نطاقًا ترتبط بالأغذية والزراعة، ومنها الموارد الحيوانية والمائية.

مزارع إندونيسي يحرث حقل أرزّ بواسطة جاموسَين وسط رشّ المياه
info
close
حرث حقول الأرزّ في إندونيسيا
©FAO/Roberto Faidutti
ثلاثة رجال يجدفون وتظهر ملامحهم وسط غروب الشمس
info
close
الصيد بطريقة مسؤولة في ظل تضاؤل الأرصدة السمكية في بحيرة فيكتوريا
©FAO/Ami Vitale

وتزامن دخول العالم في الألفية الجديدة مع ظهور أبعاد ومسؤوليات جديدة تشمل مثلًا إرث عدم المساواة بين الجنسين في ظل وجود أدلة تشير إلى أن انعدام الأمن الغذائي يضر بالنساء والفتيات أكثر من إضراره بغيرهن (وكانت المنظمة آنذاك بصدد تنفيذ خطة عملها الثانية التي تمتد على ست سنوات بعنوان "المرأة في التنمية")؛ وتشمل أيضًا فقدان التنوع البيولوجي، الذي يهدد مصادر الغذاء للمجتمعات المحلية الفقيرة؛ والأوضاع الصعبة التي تعاني منها الشعوب الأصلية التي غالبًا ما تكون مهمشة وتكون معارفها الزراعية الفريدة رضة للخطر؛ ومدى مساهمة المؤسسات القوية في مكافحة الجوع.

وأدركت البلدان النامية التي أعطت الأولوية لنمو الناتج المحلي الإجمالي كوسيلة سريعة لإحراز التقدم أن انعدام الأمن الغذائي له ثمن. فقد بيّنت الدراسات التي نُشرت منذ ذلك الحين أن البلدان الأفريقية تخسر ما يصل إلى 16 في المائة من ناتجها السنوي بسبب سوء تغذية الأطفال الذي يحدّ من مستوى التحصيل الدراسي، ويقلل من مدة البقاء في مكان العمل، ويضر بالإنتاجية، ويستنزف أنظمة الصحة العامة.

info
close
نسج ألياف الرافيا في قرية في أوغندا
©FAO/Roberto Faidutti

وباختصار، خلص المجتمع الدولي إلى أن علاج مرض واحد يقتضي معالجة العديد من الأمراض الأخرى. ويمكن تقسيم وظيفة التنمية البشرية إلى مهام فرعية، ولكنّ نجاحها أو فشلها يعتمد على المجموعة ككل، إذ يجب الضغط على جميع المقابض في وقت واحد لضمان النجاح. ولم تعُد التنمية أيضًا مجرد مسألة تنازلية من الأعلى إلى الأسفل تمليها الدول الغنية على الدول الفقيرة: فقد اكتسبت الدول النامية - ولا سيّما الكبيرة منها - في كثير من الأحيان خبرات قيّمة يمكنها مشاركتها. ويمكن أن يصل ذلك، في بعض الحالات، إلى مستوى الامتياز العالمي، سواء أتمثَّل ذلك في الخبرة الزراعية للصين أو في برنامج الوجبات المدرسية في البرازيل. (ويُعرف هذا النظام للتدريب الأفقي وتبادل المعلومات بين الدول النامية باسم التعاون في ما بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي، وله تاريخ طويل في المنظمة، ولكنه اتسع بشكل خاص منذ عام 2019).

مكونات استراتيجية المنظمة، الإطار الاستراتيجي لمنظمة الأغذية والزراعة للفترة 2000-2015 [مقتطف]:

  • ين الفرص المتاحة لفقراء الريف لتعزيز وتنويع استدامة سبل عيشهم من خلال الاستفادة من أوجه التآزر المحتملة بين الزراعة وصيد الأسماك والحراجة وتربية الحيوانات (...)
  • دعم الجهود المبذولة لتقوية المؤسسات المحلية وسنّ السياسات والتشريعات التي من شأنها توفير وصول أكثر إنصافًا لكل من النساء والرجال إلى الموارد الطبيعية والموارد الاقتصادية والاجتماعية ذات الصلة (...)؛
  • تحسين الكفاءة والفعالية التي يستجيب من خلالها القطاعان العام والخاص للاحتياجات المتعددة والمتباينة لسكان الريف المحرومين (...)؛
  • تعزيز الاستراتيجيات والنهج المراعية للمساواة بين الجنسين والتشاركية والمستدامة، القائمة على المساعدة الذاتية وبناء القدرات والتمكين، لتحسين مهارات فقراء الريف والمجتمع المدني والمحلي والمنظمات الشعبية الريفية.

واعتمدت الأمم المتحدة، في عام 2000، ثمانية أهداف إنمائية للألفية وهي بمثابة قائمة مفصلة بالإجراءات التي يتعيّن على البشرية القيام بها. وفي العام ذاته، أظهرت صياغة الإطار الاستراتيجي لمنظمة الأغذية والزراعة الروح ذاتها، فهي بعيدة المدى ولكنها دقيقة، وطموحة ولكنها تراعي التفاصيل. ووُضعت تصورات بشأن المزيد من توجهات العمل وجرى الإقرار بالمزيد من أصحاب المصلحة. وجرى التنويه صراحةً بأدوار القطاع الخاص والمجتمع المدني. وانصب عندها تركيز المنظمة على المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة، والشواغل المجتمعية، والحلول القائمة على الطبيعة؛ وأصبحت أكثر استجابة للتوقعات المتعلقة بشمول الجميع والمساءلة؛ وأقل توجهًا نحو المجاميع المجردة وأكثر توجهًا نحو الفئات السكانية الضعيفة. وأُدرج مفهوما الحفظ والاستدامة في قائمة المفردات التي كان يهيمن عليها في السابق مفهوما التكثيف والإنتاجية.

عد إلى الأعلى

عد إلى الأعلى