أفضل

2025-2005

تركز المنظمة على الابتكار والتكنولوجيا لتعزيز الأمن الغذائي في عالم متغير

FAO

رابعًا- 2005-2025: أفضل كلما اقتربت الفترة الزمنية من الوقت الراهن، كلما ازدادت صعوبة وضعها في منظور تاريخي. وينطبق ذلك أيضًا على السياق العام الذي عملت فيه منظمة الأغذية والزراعة خلال العقدين الماضيَين. ففي السنوات الخمس الماضية وحدها، أسفرت جائحة كوفيد-19 والنزاعات المتأججة في ثلاثة أقاليم على الأقل والاضطرابات السياسية عن زعزعة دعائم الحوكمة والأسواق والثوابت الجيوستراتيجية. وفي عام 2024، تبيَّن أن عدد البلدان التي تراجع فيها مستوى السلم كان أعلى من أي وقت مضى منذ بدء عملية القياس قبل 18 عامًا. فلو كان عصرنا الراهن يتسم بقدر من الاتساق، لتجلى ذلك مع مرور الوقت؛ ولكن ليست هناك في الوقت الراهن اتجاهات واضحة أو قادرة على الاستمرار لفترة كافية بحيث تفرض نفسها. وفي ما يتعلق بالأهداف الإنمائية، تسود حالة التفاؤل تارة وحالة التشاؤم تارة أخرى وتمتزجان معًا، مما يحدو بمنظمات مثل منظمة الأغذية والزراعة إلى إيجاد وسائل مبتكرة أكثر للوفاء بولايتها.

مزارع، يُرى من الخلف، يحمل كومة من الصناديق الخشبية الصغيرة وسط حقل في غواتيمالا
info
close
نصف سكان الريف في غواتيمالا يعملون في الزراعة أو صيد الأسماك أو الحراجة
©Pep Bonet/NOOR for FAO
رجال يسحبون قارب صيد إلى الشاطئ باستخدام عصي خشبية طويلة
info
close
إحياء تقاليد الصيد بالشباك في كيب تاون في جنوب أفريقيا
©FAO/Tommy Trenchard

وبعد مرور خمس سنوات على اعتماد الأهداف الإنمائية للألفية، بدا أن العالم يجتاز منعطفًا صعبًا، وإن كان ذلك ببطء. فقد أشار التقرير المرحلي لعام 2005 إلى انخفاض معدلات الفقر، خاصة في آسيا؛ وأشار أيضًا إلى أن خمس مناطق تقترب من تعميم التحاق جميع الأطفال بالمدارس – باستثناء أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ وإلى تقلص الفجوة بين الجنسين، وإن كان ذلك بوتيرة بطيئة جدًا؛ وإلى انخفاض معدل وفيات الأطفال، وإن كان ذلك بوتيرة غير كافية؛ وما إلى ذلك.

وفي ظل هذه الأنماط التي تدل على إحراز تقدم ملحوظ وإن كان متفاوتًا، شكلت أزمة الغذاء في الفترة 2007-2008 عقبة كبرى ومنطلقًا لإحداث التغيير المنشود في آن معًا. وأتاح إصلاح لجنة الأمن الغذائي العالمي، الذي اكتمل في عام 2009، الأخذ بنهج أكثر اتسامًا بالطابع الشمولي والجماعي في ما يخص السياسات. وأبدت الحكومات اهتمامًا بحوكمة الأمن الغذائي في إطار إعمال الحق في الغذاء، على النحو المنصوص عليه في مبادئ روما الخمسة من أجل أمن غذائي عالمي مستدام، التي وُضعت في مؤتمر القمة العالمي بشأن الأمن الغذائي الذي عقدته منظمة الأغذية والزراعة في عام 2009. ومع عودة تقلب الأسعار إلى تعطيل أسواق الأغذية في الفترة 2010-2011، أُنشئ نظام المعلومات المتعلقة بالأسواق الزراعية (AMIS) التابع لمنظمة الأغذية والزراعة بناءً على طلب مجموعة العشرين. وتضطلع هذه المنصة المشتركة بين الوكالات بتقييم الإمدادات الغذائية العالمية من أجل تنسيق الإجراءات المتخذة على مستوى السياسات في أوقات عدم اليقين والأزمات التي تشهدها الأسواق، من خلال الجمع بين البلدان الرئيسية التي تتداول السلع الزراعية.

ولم تحُل الأزمات دون استمرار تراجع الفقر خلال تلك الفترة – وقد تراجع بشكل مذهل في الصين – ما مهد الطريق إلى انخفاض معدلات الجوع. وأطلقت منظمة الأغذية والزراعة، في عام 2000، استراتيجية ترمي إلى القضاء على الجوع في القرن الأفريقي وتزامنت هذه الاستراتيجية مع موجة من النمو الاقتصادي السريع في إثيوبيا التي كان عدد سكانها يبلغ 100 مليون نسمة وكانت تعاني من المجاعة في السابق.

وتراجعت بالفعل مستويات الجوع وفقًا للقياسات التي أجرتها المنظمة وشركاؤها في الأمم المتحدة في التقرير السنوي عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم، تراجعًا كبيرًا بالتزامن مع الولوج إلى القرن الجديد والتركيز بقدر أكبر على أهمية جودة الأغذية.

وعُقد المؤتمر الدولي الثاني المعني بالتغذية في المقر الرئيسي للمنظمة في عام 2014. وتمخض المؤتمر عن اعتماد "إعلان روما عن التغذية" و"إطار عمل المؤتمر الدولي الثاني المعني بالتغذية"، من خلال الالتزام بالتصدي لسوء التغذية بجميع أشكاله. وأتاح المؤتمر إعادة تنشيط التعاون الدولي في مجال التغذية، ووضع أهدافًا محددة وآليات للمساءلة، وشدد على ضرورة "تحويل النظم الغذائية لضمان توفير أغذية كافية وآمنة ومنوعة وغنية بالمغذيات للجميع".

وأرسى المؤتمر أيضًا الأساس لعقد الأمم المتحدة للعمل من أجل التغذية (الذي مددته الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرًا حتى عام 2030) والذي تواصل المنظمة في إطاره ريادة المساعي الرامية إلى تحويل النُظم الزراعية والغذائية من أجل التغذية، فضلًا عن الحوكمة وسلامة الأغذية والتثقيف بشأن التغذية.

وشهدت مجموعة من المقاييس الأخرى للرفاهية تحسنًا. فعقد المجتمع الدولي العزم، في عام 2015، على تسريع وتيرة العمل من خلال أهداف التنمية المستدامة. وبات العالم يسعى آنذاك إلى تناول جميع المجالات، فاعتُمد ستة عشر هدفًا للتنمية المستدامة، إضافة إلى هدف منهجي، وهي ترسم كل مسار من مسارات التقدم الاجتماعي والبيئي، من الصحة إلى المساواة بين الجنسين إلى الحياة تحت الماء. وتحدد 169 غاية للتنمية المستدامة مجالات العمل، مشفوعة بأكثر من 200 مؤشر.

ويتبوأ هدف "القضاء على الجوع" مكانة بارزة بين سائر أهداف التنمية المستدامة، فهو يأتي مباشرة بعد الأولوية القصوى المتمثلة في "القضاء على الفقر". وأتاحت منظمة الأغذية والزراعة خبرتها الفنية خلال صياغة الأهداف وأصبحت وكالة الأمم المتحدة الراعية لمجموعة متنوعة من المؤشرات. وتشمل هذه المؤشرات الجوع؛ والاستدامة الزراعية؛ وملكية النساء للأراضي؛ والإجهاد المائي؛ واستدامة الأرصدة السمكية؛ والإدارة المستدامة للغابات. (وبعد ذلك بوقت طويل، وُضع مؤشر جديد في عام 2025 بشأن الحد الأدنى للتنوع الغذائي - واعتُبرت منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) الوكالتين الراعيتين له بصورة مشتركة).

وتطورت أدوات المنظمة أيضًا بقدر اتساع نطاق مسؤولياتها. فقد عملت المنظمة على تعزيز قدراتها في مجال جمع البيانات من خلال وضع مقياس جديد للمعاناة من انعدام الأمن الغذائي، وهو مؤشر للجوع كما يشعر به الناس (بخلاف الجوع المحدد بعوامل خارجية). ووضعت المنظمة تطبيقات تربط أصحاب الحيازات الصغيرة بالأسواق وتساعد على إدارة الثروة الحيوانية والسيطرة على انتشار الآفات التي تقضي على المحاصيل. وجرى تسيير طائرات من دون طيار لتقييم مخاطر الكوارث الطبيعية. ووُضعت برامج تعليمية لتوجيه المزارعين الشباب وإعادة تنشيط القوة العاملة الزراعية. ونُظّمت دورات تدريبية بشأن كيفية إنشاء مزارع حضرية وداخلية، وحدائق نفقية، وبساتين قائمة على الزراعة المائية. وجرى الاعتراف بالتقنيات الراسخة للشعوب الأصلية ومعرفتها العميقة بالأراضي وجرت مراعاتها في الجهود الرامية إلى بناء مستقبل آمن غذائيًا.

وينصب حاليًا مجمل تركيز المنظمة على تعزيز "سلاسل القيمة الغذائية" كونها توفر لصغار المزارعين فرصًا لتسويق منتجاتهم وتضمن الرقابة على الجودة؛ وتوفر أيضًا فرص عمل لائق وتساعد المجتمعات المحلية المهمشة على تلبية الطلب على المواد الغذائية المتخصصة والعالية الجودة. ووُضعت حلول لوجستية وأُطلقت حملات مكثفة للدعوة من أجل الحد من الفاقد والمهدر اللذين تبلغ قيمتهما بحسب تقديرات المنظمة زهاء 400 مليار دولار أمريكي سنويًا.

وشرعت المنظمة، في المقام الأول، في إعادة التفكير في النظم الزراعية والغذائية في مجملها وأطلقت حملة لتحويلها من أجل إقامة دائرة إيجابية من السياسات لمكافحة الفقر والجوع وسوء التغذية وحماية النظم الإيكولوجية الهشة. وبدأت المنظمة بالعمل مع البلدان لوضع "خطوط توجيهية غذائية قائمة على النظم الغذائية"؛ وهي خرائط طريق مخصصة لملاءمة احتياجات كل سياق وقابلة للتنفيذ لمكافحة سوء التغذية.

info
close
مزرعة عنب بالقرب من دودوما في تنزانيا
©FAO

بيد أن كل ذلك كان يجري في ظل ظروف غير مؤاتية تتسم بتقلبات مناخية شديدة وتدهور البيئة. فقد أخذ التنوع البيولوجي، الذي بات يُعتبر آنذاك على نطاق واسع أساس الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والتغذية، يتراجع. وتعرّض ثلث التربة في العالم للتدهور؛ وشكّلت ندرة المياه تهديدًا لسُبل عيش مليارات الأشخاص، بينما تسبب تزايد الطلب على منتجات الثروة الحيوانية في زيادة الضغط على الموارد الطبيعية. وتقلصت مجموعة الخيارات المتاحة من المنتجات الغذائية، إذ يعتمد ثلثا إنتاج المحاصيل على تسعة أصناف نباتية فقط.

واضمحلّت الممارسات الزراعية التقليدية في بعض أرجاء العالم فيما أفضت، في أماكن أخرى، الأنماط الغذائية المتجانسة، التي تتسم بكونها غنية بالسعرات الحرارية وتفتقر إلى المغذيات، إلى زيادة كبرى في معدلات السمنة. وانتشرت الأمراض غير المعدية المرتبطة بالأنماط الغذائية لدى البالغين والأطفال على حدّ سواء، في ظل التوقعات التي تشير إلى أن وفرة الأطعمة الفائقة التجهيز ربما تكون قد أحدثت تغييرًا دائمًا في المجهريات البشرية،أي الخلايا الميكروبية الموجودة في أمعاء الإنسان. وأشارت بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن ثلاثة مليارات شخص في العالم عاجزون عن تحمل تكاليف أبسط نمط غذائي صحي، وهذا رقم مذهل. وفي هذا السياق، أنشأت المنظمة نظم التراث الزراعي ذات الأهمية العالمية (GIAHS)، وهو شكل من أشكال الاعتراف بالمنتجات المحلية، سعيًا إلى إنقاذ الثقافات الغذائية المحلية التي تعرّضت للتهميش المجحف وإعادة إحيائها والترويج لها. وبلغ عدد النظم التي جرى الاعتراف بها أكثر من 100 نظام حتى سبتمبر/أيلول 2025. ويندرج ضمن أحدث هذه النظم ليمون منطقة أمالفي في جنوب إيطاليا الذي يُزرع من دون استخدام مبيدات للآفات في ظل أشجار الكستناء؛ وزهاء 30 نوعًا من الميكان، أو "المندرين الياباني"، الذي ينضج في بساتين مدرّجة على شكل مصاطب حجرية في جنوب منطقة كانساي المكتظة بالسكان.

ثلاثة ظلال لأشخاص يقفون على أرض ترابية تكسوها تلال هلالية الشكل
info
close
سدود هلالية الشكل لترشيد المياه في بوركينا فاسو
©FAO/Giulio Napolitano
قارب صيد ملون، يُرى من الأعلى، يشق طريقه مخلّفًا وراءه مسارًا من الرغوة قبالة ساحل تايلند
info
close
صيادو الأسماك الغواصون من أقلية أوراك لاوي في تايلند
©FAO/Sirachai Arunrugstichai

وفي عام 2020، أسفرت جائحة كوفيد-19، فضلًا عما خلّفته من خسائر في الأرواح وخسائر في الإنتاج، عن تفاقم هشاشة علاقة البشرية بالغذاء. فقد شكّلت هذه الجائحة اختبارًا مُبينًا مفاجئًا لمدى هشاشة العمالة الريفية، وضعف شبكات التوزيع، والخط الرفيع الذي يفصل في العديد من البلدان بين سبل العيش والوقوع في دائرة الفقر المدقع. وتمثّلت الاستجابة الفورية للمنظمة آنذاك في الدعوة إلى إبقاء الأسواق مفتوحة. وسعت المنظمة، في الأجل الطويل، إلى إقامة شراكات والبحث عن حلول مبتكرة على نطاق واسع. ومع اشتداد وطأة الجائحة، أُنشئت وظيفة رئيس العلماء في المنظمة. وبعد عامين من ذلك، وُضعت استراتيجية للعلوم والابتكار ترمي إلى تعزيز القدرات التكنولوجية لدعم التوجيهات المعيارية التي تصدرها المنظمة.

واستُهل في عام 2020 أيضًا مشروع جديد رائد للمنظمة، وهو المنصة الجغرافية المكانية الخاصة بمبادرة العمل يدًا بيد والتي تهدف إلى تسخير كل إمكانات البيانات لمساعدة الخبراء الزراعيين والاقتصاديين والوكالات الحكومية وغير الحكومية والجهات الفاعلة الأخرى في تنفيذ أنشطة زراعية وغذائية هادفة. وتتيح منصتان جديدتان لرصد الغابات والأراضي، وهما منصة Open Foris ومنصة SEPAL (نظام تيسير الوصول إلى بيانات رصد الأرض ومعالجتها وتحليلها لأغراض رصد الأراضي)، إمكانية الاطلاع على البيانات المستمدة من صور الأقمار الاصطناعية والقدرات في مجال معالجة البيانات التي تتيحها أجهزة الحاسوب الفائقة السحابية، باستخدام تكنولوجيا محرّك Google Earth Engine.

تدشين المنصة الجغرافية المكانية الخاصة بمبادرة العمل يدًا بيد – يوليو/تموز 2020

تضم مبادرة العمل يدًا بيد أكثر من مليون طبقة جغرافية مكانية (مستويات رقمية مواضيعية) وآلاف سلاسل الإحصاءات مشفوعةً بأكثر من 000 4 سجل بيانات وصفية. وتجمع المعلومات الجغرافية والبيانات الإحصائية بشأن أكثر من عشرة مجالات مرتبطة بالأغذية والزراعة، بما يشمل الأمن الغذائي والمحاصيل والتربة والأرض والمياه والمناخ ومصايد الأسماك والحراجة.

وقد تسنى الحصول على البيانات من منظمة الأغذية والزراعة وجهات أخرى رائدة معنية بالبيانات العامة على صعيد منظومة الأمم المتحدة، والمنظمات غير الحكومية، والأوساط الأكاديمية، والقطاع الخاص، ووكالات الفضاء. وهي تتضمن إحصاءات بشأن الأغذية والزراعة في البلدان الأعضاء في المنظمة البالغ عددها 194 بلدًا، بالإضافة إلى 51 إقليمًا، من سنة 1961 وحتى آخر سنة متاحة.

ولم يتحقق مع ذلك شرط واحد ضروري لتعميم التقدم المحرز. فمع بزوغ فجر العقد الثالث من الألفية الجديدة، أصبحت النزاعات المسلحة التي طال أمدها أمرًا عاديًا بصورة مأساوية. ففي الجمهورية العربية السورية وجنوب السودان واليمن وشمال شرق نيجيريا، تحتدم الأعمال العدائية أو يشتد سعيرها من سنوات، مما أودى بحياة مئات آلاف الأشخاص وترك الملايين على حافة المجاعة. وشهد عام 2022 اندلاع النزاع في أوكرانيا التي تُعتبر "سلة غذاء". وفي عام 2023، لاقى السودان وغزة المصير ذاته. وكان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد أقرّ، قبل ذلك بعدة سنوات، بشكل صريح بالصلة الـمُحبِطة بين انعدام الأمن الغذائي ونشوب النزاعات.

قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2417/2018 [مقتطف]

يشير إلى الصلة بين النزاع المسلح والعنف وبين انعدام الأمن الغذائي الناجم عن النزاع وخطر المجاعة، ويدعو جميع الأطراف في النزاعات المسلحة إلى الامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني فيما يتعلق باحترام وحماية المدنيين والحرص باستمرار على تجنب استهداف الأعيان المدنية، بما فيها الأعيان اللازمة لإنتاج الأغذية وتوزيعها، مثل المزارع، والأسواق، وشبكات المياه، والمطاحن، وأماكن تجهيز الأغذية وتخزينها، ومراكز ووسائل نقل الأغذية، والامتناع عن مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، مثل المواد الغذائية والمحاصيل والماشية والأصول الزراعية ومرافق مياه الشرب والإمدادات وأعمال الري، واحترام وحماية العاملين في مجال تقديم المساعدة الإنسانية والشحنات المستخدمة لعمليات الإغاثة الإنسانية.

وتشير نسخة عام 2024 من تقرير حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم إلى "مسار خطير". ثمّ بعد ذلك بعام واحد، كانت هناك أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن الوضع لن يزداد سوءًا، ولعل ذلك يُعزى إلى نمط التقلب الذي يتسم به هذا القرن الجديد، ولكن سرعان ما تلاشى مجددًا هذا التفاؤل.

وفي غمار هذا التقلب بين الطموح المجهَض تارة والقنوط تارة أخرى، لا بدّ من أن نرفض فكرة أننا نعيش في عصر يتسم بالانتكاس الجامح. فمشاريع البنية التحتية تعمل على تحويل بعض المناطق في أفريقيا. وقد أشارت بيانات صادرة في الهند في عام 2024 إلى أن الهند تمكّنت من القضاء فعليًا على الفقر المدقع، وهي أكثر بلدان العالم اكتظاظًا بالسكان. وإننا نعيش أيضًا في عصر يزخر بالبحوث والابتكارات في مجال التكنولوجيا البيولوجية. ويبدو أن الذكاء الاصطناعي بصدد إحداث ثورة في مجالات بأكملها من التجربة البشرية، بما يشمل صياغة وتنفيذ السياسات المتعلقة بولاية منظمة الأغذية والزراعة. فقد تعاونت المنظمة وحاضرة الفاتيكان وشركات التكنولوجيا العالمية العملاقة، في عام 2020، للتوقيع على نداء روما بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وهو وثيقة تجمع بين الرؤية الأخلاقية والاستشراف العلمي والمساعي التنظيمية.

ولعلّه كان من المستبعد، حتى وقت قريب، إقامة روابط بين وكالة كبرى تابعة للأمم المتحدة وهيئة دينية عالمية و"سيليكون فالي". بيد أن تطور أنماط المشاركة الاجتماعية والحوكمة العالمية يشير إلى تداخل واسع النطاق بين عمل الجهات المختلفة وإلى وجود تأثير تراكمي كبير، ويشمل ذلك نداء روما، الذي نادى الموقعون عليه إلى "أخلاقيات الخوارزميات"، وهو ما يؤثر في حياة مليارات المواطنين. وشكّل هذا الحدث بداية عصر من التحالفات من أجل العمل من خلال حشد كيانات مؤثرة متنوعة وجماهير من المتابعين حول تحديات شاملة، في شكل من أشكال التكاتف الرقمي التي تسعى إلى تحقيق نتائج لصالح الإنسانية.

وقد أصبح الذكاء الاصطناعي، في غضون بضع سنوات فقط، وسيلةً مساعِدةً لا غنى عنها لهويتنا الرقمية؛ ولا تفتأ الوعود التي يحملها تتوسع وبدأت الإمكانات التي يتيحها تتبلور. ففي مجال الزراعة، يمكن أن نتوقع أن يساهم الذكاء الاصطناعي في إيجاد معدات أكثر قدرةً على تلبية الاحتياجات (جرارات ذاتية القيادة)، وتعزيز العمليات العضوية (تحسين نمو المحاصيل على النحو الأمثل) والكشف عن الآفات والأمراض. بيد أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الفكري يندرج في عِداد أكثر أبعاده الأخلاقية والقانونية تعقيدًا.

نداء روما بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي – المبادئ [مقتطف]

  • 1- الشفافية: يجب أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي، من حيث المبدأ، قابلةً للتفسير؛
  • 2- الشمول: يجب أن تؤخذ احتياجات جميع البشر في الاعتبار لكي يستفيد كل فرد وتُتاح لجميع الأفراد أفضل الظروف الممكنة للتعبير عن أنفسهم وتنمية ذواتهم؛
  • 3- المسؤولية: يجب على القائمين على تصميم الذكاء الاصطناعي ونشر استخدامه أن يتصرفوا بطريقة مسؤولة وشفافة؛
  • 4- عدم التحيّز: عدم التحيّز أو التصرف بناءً على التحيّز، من أجل ضمان الإنصاف وحفظ كرامة الإنسان؛
  • 5- الجدارة بالثقة: يجب أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرةً على العمل بطريقة موثوقة؛
  • 6- الأمن والخصوصية: يجب أن تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل آمن وأن تحترم خصوصية المستخدمين.
info
close
الاستعانة بالمسيرات لرسم خرائط الإنتاج في "سلة الأرزّ" في الفلبين
©Veejay Villafranca

وتُعدّ منظمة الأغذية والزراعة إحدى أكبر الهيئات الناشرة للمطبوعات في منظومة الأمم المتحدة، حيث تقوم بنشر زهاء 1 000 مطبوع سنويًا بلغات مختلفة، وهي إحدى الوكالات القليلة التي تسعى بشكل فاعل إلى تعزيز نزاهة المعلومات باعتبارها منفعةً عامةً، ولذلك ألزمت المنظمة نفسها بتنفيذ خطوط توجيهية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال النشر بطريقة مسؤولة، من وضع قواعد بشأن التأليف وصولًا إلى التقاطع بين الذكاء الاصطناعي وعمليات الاستعراض التي يجريها الأقران. وتعمل المنظمة، في الوقت ذاته، على تعميم الانتفاع بجميع بحوثها تقريبًا، وتتعاون مع منصات مثل ويكيبيديا لتسهيل العثور على البحوث التي تقوم بنشرها. وجرى تدشين "مستودع معرفي" (knowledge repository) جديد على الإنترنت وأصبح يعمل بكامل طاقته في عام 2025. وتعمل مكتبة "David Lubin" على رقمنة مقتنيات المطبوعات التي تمتلكها والتي تشكّل ربما المورد الأكثر قيمةً في مجال الأغذية والزراعة الذي تسنى جمعه على الإطلاق.

وباختصار، ولّى الزمن الأول الذي كان عمل المنظمة يقتصر فيه على نشر الخبرات التقنية الموجودة: فالمنظمة تتحول بسرعة إلى جهة قائمة على توليد المعارف النظرية والتطبيقية ونشرها، سواء أكان ذلك في إطار شراكات مع جهات أخرى أو بصفة مستقلة. وتشمل الأنشطة التي يجري بحثها أو تنفيذها رصد إنتاجية المياه في الكتلة الأحيائية بواسطة أجهزة استشعار عن بُعد؛ أو المنصات التفاعلية لإدارة أنظمة ما بعد الحصاد؛ أو التأمين الزراعي على سلسلة الكتل، من خلال ربط العقود الذكية ببيانات الطقس الناتجة عن صور الأقمار الاصطناعية والمرتبطة بمحافظ الهواتف المحمولة.

وتجري هذه العملية في الوقت الذي تعتمد فيه الحكومات أطر عمل تهدف إلى توجيه الابتكارات إلى المسارات المنشودة. وتسعى البلدان واحدة تلو الأخرى إلى جني فوائد الاقتصاد الأحيائي. وقد حددت استراتيجية الاتحاد الأوروبي بعنوان "من المزرعة إلى المائدة" هدفًا يتمثل في إقامة نظام زراعي وغذائي إقليمي منصف وصحي ومراعٍ للبيئة. وفي مطلع عام 2025، وفي ضوء القلق الذي ساد المجتمعات المحلية الزراعية في جميع أرجاء القارة الأوروبية، وضعت المفوضية الأوروبية المبدأ المتمثل في "ضمان مستقبل مزارعينا" في صميم نهجها في إطار "الرؤية بشأن الزراعة والأغذية"، لربط النتائج الاجتماعية المنشودة بأية سياسات غذائية مقبلة.

وتضع هذه المبادرات المتعددة على عاتق المنظمة مسؤولية تهيئة بيئات مؤاتية لتنفيذها، في شكل مساهمات تحليلية ومعارف تطبيقية وأنظمة تنظيمية. ففي عام 2019 مثلًا، كلف الأعضاء المنظمة بوضع آلية لتوحيد السياسات والمعايير في مجال رقمنة إنتاج الأغذية. وتقتضي المشاريع التي تتسم بهذا القدر من التعقيد أشكالًا متعددةً من القدرات المؤسسية، سواء أكانت تقنيةً أو متعلقةً بالحوكمة، بدءًا من حماية البيانات والحدّ من مخاطر التحيّز وصولًا إلى معالجة الفجوة الرقمية.

امرأتان من رواندا تمرران شتلات البابايا بينهما
info
close
زراعة البابايا في رواندا
©FAO/Marco Longari
ملامح رجلين في قارب صيد تلوح تحت آخر ضوء للنهار
info
close
صيد السمك عند غروب الشمس في مدغشقر
©FAO/Alexander Joe

وأتاح كل ذلك تنامي دور المنظمة باعتبارها جهةً تعمل على الحشد والتعبئة وعلى تيسير تنفيذ السياسات. وخلال السنوات الخمس الماضية، انضوت كل جهود المنظمة وأنشطتها تحت لواء إطار نظري يحمل اسم "الأفضليات الأربع": إنتاج أفضل وتغذية أفضل وبيئة أفضل وحياة أفضل. ووُضع إطار استراتيجي جديد أصبحت فيه الأفضليات الأربع مبدأً ناظمًا يهدف إلى حشد الجهود من أجل تحقيق ولاية المنظمة، من خلال مراعاة الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المترابطة للنظم الزراعية والغذائية والاعتماد عليها. ويتجلى هذا الترابط في ثلاثة مجالات رئيسية هي الإنتاجية الزراعية، والأثر البيئي، والاستدامة الاجتماعية (مع مراعاة أن الإنتاجية ترتبط بشكل أساسي بالاستدامة الاقتصادية). وبالتالي، فإنّ نهج المنظمة الخاص بالنظم الزراعية والغذائية يعتبر أن الزراعة لا تقتصر على وظيفتَيها على صعيدي الإنتاج والاقتصاد الكلي، بل يعتبرها أيضًا وسيلةً لتحقيق الأمن الغذائي وتعزيز قدرة سُبل العيش على الصمود، وتشجيع الابتكار، وتحفيز الاستثمارات والشراكات.

ويجري العمل، في إطار نهج "الأفضليات الأربع"، على إقامة أو إحياء أشكال أكثر مرونةً من الشراكات على غرار التعاون بين بلدان الجنوب والتعاون الثلاثي، وكذلك برنامج "بلد واحد منتج واحد ذو أولوية"، الذي يركّز على التجارة والأعمال التجارية، أو مبادرة النمو الأزرق، من أجل التشجيع على نشر الأفكار والحلول الإنمائية على نطاق أوسع. وتقر المنظمة بإمكانات الشباب باعتبارهم القوة الدافعة للتغيير. ففي عام 2021، أطلقت لجنة شؤون الشباب التابعة للمنظمة منتدى الأغذية العالمي، وهو منصة تهدف إلى إعادة تشكيل النظم الزراعية والغذائية بوسائل من ضمنها تنظيم مسابقات بحثية وتحديات للشركات الناشئة.

ومنذ إقامة معرض "ميلانو إكسبو" في عام 2015 الذي نُظّم تحت شعار "إطعام الكوكب، طاقة للحياة"، توافقت برامج عمل المنظمة والبلد المضيف، إيطاليا، بشكل لافت للنظر. وقد أرسى "إعلان ماتيرا بشأن الأمن الغذائي والتغذية والنظم الغذائية" الصادر عن قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في مدينة ماتيرا الواقعة في جنوب إيطاليا، الأسس اللازمة لإنشاء تحالف غذائي يركّز على تعزيز القدرة النظمية على الصمود. ولعل هذا الرابط المؤسسي مع كل من الحكومة الإيطالية ومدينة روما، نظرًا إلى أن العاصمة تستضيف المنظمة بسخاء وسط أكثر معالمها السياحية شهرةً، لم يكن أقوى مما هو عليه الآن في أي وقت مضى منذ أيام المعهد الدولي للزراعة، الذي أُنشئ حتى قبل وقت طويل من ولادة الجمهورية الإيطالية نفسها.

كلمة فخامة السيد Sergio Mattarella، رئيس جمهورية إيطاليا - يوم الأغذية العالمي، أكتوبر/تشرين الأول 2023 [مقتطف]

ثمة قاسم مشترك يجمع بين التحديات التي ذكرتها، من تغير المناخ إلى تزايد النزاعات وما يترتب عليهما من نقص في الغذاء والمياه: فهي تتسم جميعًا بكونها عابرةً للحدود الوطنية.

ولذلك لا بدّ من مكافحة هذه المخاطر بالاستعانة بالأداة الفريدة والهائلة والمتاحة المتمثلة في الأمم المتحدة والاستفادة القصوى من قدراتها. أما في ما يخص الزراعة والأغذية، فلا بدّ من الاستعانة بوكالات الأمم المتحدة التي نفخر باستضافتها هنا في روما.

وتتفق منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي والصندوق الدولي للتنمية الزراعية على التصدي بصورة حاسمة لمشكلة الأمن الغذائي من زوايا مختلفة.

ويمكن بل ويجب مواجهة التحدي الذي يمثله وباء الجوع، وهو واجب أخلاقي أكثر من كونه واجبًا اجتماعيًا واقتصاديًا، من خلال التركيز مجددًا على الدور المركزي للالتزام المتعدد الأطراف وقدرة الأمم المتحدة على الجمع بفعالية بين الموارد البشرية والتكنولوجية والمالية لكلّ من الدول وتخصيصها حيثما تكون هناك حاجة إليها، من أجل تحقيق التنمية المستدامة.

وهو التزام تدعمه جمهورية إيطاليا بشكل فاعل وهو ما حدا بنا إلى تنظيم قمة الأمم المتحدة الثانية بشأن النظم الغذائية هنا في روما في يوليو/تموز الماضي بالاشتراك مع منظمة الأغذية والزراعة، حيث كان الأمن الغذائي أحد المواضيع ذات الأولوية لرئاسة إيطاليا لمجموعة السبع.

ولم يَحُل التحول الرقمي المتزايد للمنظمة دون اتساع حضورها على أرض الواقع أو "في المدن". ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، في إطار الاحتفال بالذكرى السنوية الثمانين لتأسيس منظمة الأغذية والزراعة وبيوم الأغذية العالمي، يُفتتح متحف وشبكة الأغذية والزراعة (FAO MuNe) في المقر الرئيسي للمنظمة في روما ليكون بمثابة معرض ومساحة تعليمية دائمَين. ويعرض هذا المتحف أهمية النظم الزراعية والغذائية العالمية، والتقاليد الغذائية، والتقدم العلمي والابتكاري؛ ودور النساء والشباب والشعوب الأصلية في بناء مستقبل غذائي مستدام من خلال إطار عمل "الأفضليات الأربع".

وهنالك العديد من التغييرات اللازمة في إطار سعينا إلى تحقيق الأمن الغذائي، ولا شك أن الكثير منها سيحدث، وبعضها سيحدث بطريقة يكاد يتعذّر التنبؤ بها. فقد شهدت الثمانون عامًا الماضية تغيرات في المشهد العام، إذ قامت دول وانحلّت دول أخرى. وتغيرت معالم الزراعة، وحلّت التطبيقات محل المحاريث. وحلّت الوفرة محل الفقر، وإن لم يكن ذلك في كل مكان وليس دائمًا بطريقة مستدامة وفي ظل عدم الاستقرار المستمر أو المتجدد. وتغير وجه الغذاء بحد ذاته، شأنه في ذلك شأن فهمنا البيولوجي والثقافي له. ولا شك أن العقل الآلي والأجيال التي نشأت في العصر الرقمي سيواصلان تغيير طريقة زراعة المنتجات الغذائية واستهلاكها. وعلى الرغم من كل ذلك، ما زالت مهمة منظمة الأغذية والزراعة المتمثلة في ضمان الاعتراف بالحق في الأغذية الوفيرة والمتنوعة واحترامه على الصعيد العالمي قائمة لم تتغير. وهي مهمة نسعى إلى تحقيقها في الأوقات المؤاتية وفي الأوقات الصعبة، وفي خضم التقلبات الاقتصادية والسياسية، حيث تكون الإنسانية والعلم بوصلتنا لكي نسترشد ونهتدي بهما في مساعينا.

عد إلى الأعلى

عد إلى الأعلى